زكريا القزويني
267
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
للمعادن وهي باقية على الجمادية لقربها من البسائط ، والمرتبة الثانية للنبات فإنها متوسطة بين المعادن والحيوان بحصول النشو والنمو وفوات الحس والحركة ، والرتبة الثالثة للحيوان فإنه قد جمع بين النشو والنمو والحس والحركة ، وهذه قوى موجودة في جميع أفراد الحيوان ، حتى في الذباب والبعوض . أما الحس فلأن اللّه تعالى لما قضى لكل حيوان أمدا معلوما وأبدان الحيوانات متعرضة للآفات المفسدة بها والمهلكة إياها فاقتضت الحكمة الإلهية لها القوة الحساسة ؛ لتشعر بواسطتها بالمنافي فتدفعه عن نفسها إذا أحست بألم فلو لا هذه القوة لما أحس الحيوان بالجوع إلى أن مات بغتة فجأة من عدم الغذاء ، ولكان إذا نام فأصاب يده أو رجله نارا لم يكن يحس به حتى ينتبه من نومه فإذا هو بلا يد ولا رجل . وأما الحركة فإن الحيوان لما كان محتاجا إلى الغذاء ولم يكن غذاؤه يكفيه في جميع الأوقات ، اقتضت الحكمة الإلهية آلات الحركة ليتحرك بها إلى الغذاء ، ولولا القوة لاحتاج الحيوان إلى الغذاء ولم يقدر على المشي إليهما فمات جوعا كشجرة لا تجد الماء حتى تجف ، ولكان إذا أصابه آفة من حرق أو غرق بقي على مكانه حتى أدركه الغرق أو الحرق ، ولما كانت الحيوانات بعضها عدو لبعض اقتضت الحكمة الإلهية لكل حيوان آلة يحفظ بها نفسه من عدوه . ( فمنها ) : ما يدفع العدو بالقوة والمقاومة كالفيل والأسد والجاموس . ( ومنها ) : ما يسلم من عدوه بالفرار فأعطى آلة الفرار كالظباء والأرانب والطيور . ( ومنها ) : ما يحفظ نفسه بسلاح كالقنفذ والشهم والسلحفاة . ( ومنها ) : ما يحفظ نفسه بحصن كالفأر والحية والهوام . ومقتضى الحكمة الإلهية أن اللّه تعالى خلق لكل حيوان من الأعضاء ما يتوقف عليه بقاء ذاته ونوعه لا زائدا ولا ناقصا ، ولذلك اختلفت أشكالها وأعضاؤها وتنوعت أنواعها بأنواع كثيرة . روى عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن اللّه تعالى خلق في الأرض ألف أمة ستمائة منها في البحر وأربعمائة منها في البر » « 1 » وقال بعض
--> ( 1 ) رواه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ( 7 / 172 ) .